الأنبوب الكردي العربي يوصل النفط إلى الغرب ويعيد البداوة إليهما

Thursday, 06.11.2009, 12:00

3167 بینراوە


وصف الزعيم الراحل خميني، أميركا بل والغرب عموماً بالشيطان الأكبر. وإذا ما إستثنينا البعد الآيديولوجي الصراعي، في الوصف المذكور، فيظل جوهر المعنى أكثر بزوغاً في ما للغرب من حال وترحال، في التأريخ المعاصر الذي يمتد أكثر من قرن.
فهذا الغرب حقاً في الفطنة والذكاء (وهو تراكم معرفي تجريبي من التاريخ) شيطان كبير، لا تبرح شعوب الشرق، الرازحة تحت سلطنات بدوية عربية وأعجمية، إلا أن تركع من اهتزاز ركبتيها ذليلة أما عظمة الغرب، وعنفوانه، وهيمنته، وجماله وجذبه الساحر!
للّذين يعيشون في الغرب، يعرفون بوضوح كيف تتعامل المؤسسات والشركات الأهلية والحكومية مع الأفراد، بمنتهى المصلحة الماديّة؟
هنا في الغرب، يدفع واحدنا بإنتظام فاتورة الماء، والكهرباء، والغاز، وقطع العشب في باحة المنزل، وأجور الدراسة، والرسومات الكثيرة مثل المعاملات، وكذلك الخدمات كتوقيف السيارة في الشارع، وفاتورة التسجيل الدوري، ومستحقات الضمان للسيارة والمنزل، والضريبة و و و...إلى أن ينتهي بك المطاف أن تضع كلّ ما في جيبك على شاكلة مقامر، للبقاء على قيد الحياة، إن كنت تقبض راتباً كعامل أو موظف!
إن حدث أن تأخرت في دفع فاتورة ما، حتى ولو كان المبلغ بسيطاً، أي بضعة دولارات مثلاً، فإنك تستلم عبر البريد مرات عديدة رسائل تذكرك بدفع ما هو حق عليك، مع مضمون يهددك بإجراءات قضائية!
هكذا حال الشركات والمؤسسات الغربية، الحكومية أو الأهلية، مع مواطنيها من أبناء البلد!
وواقع الفرد هنا في الغرب، هو ركضٌ مستمر وراء لقمة العيش، وأقلاق مستمرة لتغطية المسئوليات والتكاليف والمستحقات!
لكن الشركات والمؤسسات الغربية، وهي بهذه الصرامة والشدة، في ما يتعلق بحقوقها حتى ولو كان ذلك دولارات قليلة، فإنها تتعامل مع ثروات الشعوب المتخلفة والبدائية بمنتهى النهم والإختلاس والشطف!
هذه المؤسسات والشركات الكبرى حقاً، وهي تمتلك جيوشاً من الإعلام، والسياسة، والعسكر والموظفين، لها كلمة الفصل في الدولة. وهو شأنٌ عظيمٌ يعلمه الغربييون، أما الشرقيين فهم عنه ساهون، إلا ما رحم ربك من ذوي الألباب!
هذه الشركات وهي تنطلق من أرضيةٍ، دستورها وقوانينها، خاضعة للديموقراطية وحقوق الإنسان، لكنها ومن أجل نقل الموارد والثروة إلى الغرب، تتعامل مع أكثر السلطات الشرقية قمعاً ودكتاتورية وتخلفا.
كنت دوماً، في رحلة بحثي وقرائتي لتأريخ المنطقة، أفكر عن متعلقات إختيار الإنكليز لبعض العوائل والشخصيات العشائرية والبدوية، كزعماء وملوك للدول الإقليمية الجديدة في الشرق!
والحال فإن الوضع المستجد، لم يكن عفوياً إلى درجة تصديق أن جريان الأحداث عفويّاً، هو الذي دفع بهكذا عناصر إلى سدة حكم خاضعٍ للخارج المهيمن!
ولكن إذا كان الأمر على هذا النحو، في بداية القرن العشرين، أليس غريباً أن تكون الحال بعد قرن كامل، أكثر سوءاً وغرابة لدى شعوبنا وقومياتنا؟!
النفط بالنسبة للعرب كان نقمة كبيرة. فكلّما ازداد تدفق النفط في الأنابيب التي تمد الغرب بالطاقة، إستلمت العرب بيسراها الفقر والمذلّة والهوان!
فالغرب إلى يومنا هذا، لا يعصر نفط الشرق فحسب وبسعر زهيد، عن طريق (الأوبك) ورقابة وقوانين سوقه الموضوعة، وإنما حتى الأموال التي تدفع لهذه الطاقة إلى دول الشرق، تضاف إلى الرأسمال الغربي لتقوية مركز الدولار عبر نقل مباشر للأرصدة إلى بنوك الغرب، لا سيما الولايات المتحدة الأميركية، نظراَ لتحكم العوائل الحاكمة في بلادنا بثروات البلاد، فيما الحكومات والمؤسسات العائدة للدولة، ليست سوى أجواف فارغة لا تمثل إلا واجهات خادعة لسلطة العوائل والقبائل بمسميات شتى!
والأموال التي تحصل عليها هذه العوائل الحاكمة تودع في بنوك الغرب إلى حين، وعلى الأغلب تُجمّد الأرصدة بعد إزاحتها عن الحكم، أو تسيطر الشركات الضخمة على تلك الأرصدة بمرور الزمن، عبر إختلاقات ممزوجة من القوانين والمستجدات، حتى تصبح جزءا من رأسمال غربي صرف!
هذا ما حدث ويحدث حتى الآن!
فأموال شاه إيران جمّدت لدى دول الغرب، ثم أصبحت من حقوق الشركات المملوكة من قبل الجهات السياسية الغربية. وهذا ما حدث مع أموال صدام حسين وقيادات البعث. أما بالنسبة لدول الخليج لا سيما السعودية والكويت، وعلى الأخص هذه الأخيرة، فإن جلّ عائداتها النفطية تستثمر في بلاد الغرب. فالأموال السعودية في الإستثمار داخل أميركا، إلى عام 2001 بلغت أكثر من 850 مليار دولار، ولاشك أن المبلغ إزداد أكثر في غضون الأعوام الثمانية التي مضت. ويملك وليد بن طلال لوحده 10% أو أكثر من رأسمال (سيتي بانك) الذي يقدر بأكثر من 200 مليار دولار!
والدول الخليجية دفعت أمولاً طائلة جداً، لشراء الأسلحة منذ عام 1990 بعد إجتياح نظام صدام حسين للكويت. هذه الأسلحة لم تُشتر لتوفير الحماية من العراق فحسب، وإنما بهاجس مستقبلي، من الخطورة الكامنة من الجارة القوية إيران. فدولة الإمارات العربية وهي ثالث أكبر مستورد للأسلحة، دفعت عام 1999 أكثر من ستة مليارات دولار لشراء طائرات حربية متطورة. ثم دفعت مبالغ تترواح بين مليار ونصف إلى عشرة مليارات دولار للصفقة الواحدة، والصفقات كثيرة على أية حال!
والواقع بالنسبة للكويت أشد إيلاما! فكويت دولة صغيرة، قامت أثناء الحرب العراقية الإيرانية بدفع المليارات من الدولارات للعراق، دفاعاً عن أمنها الإستراتيجي ضد الخطر الإيراني. لكن بعد توقف الحرب، بدأت الكويت تضغط على العراق بتحريك خارجي ملح، لإعادة القروض التي قدمتها الكويت للعراق أثناء الحرب!
لم تحصل الكويت على تلك الأموال، بل خسرت وراء ذلك عشرات الأضعاف، بعد أن فشلت الوفود العراقية، من إجتراح حل مرضي، بعد تردد كثير على الكويت مراراً قبل الإجتياح الذي، كانت مراكز القرار الغربي تفرّك أياديها في إنتظار وقوعه!
ومع كل مساوئ النظام السابق، لكن العراق إستطاع في ظل الحرب الباردة بين القطبين، من تأميم النفط في عام 1972، مما شكل ذلك ضربة موجعة للنظام الرأسمالي الغربي، الذي سعى حثيثاً إلى إستخدام أوراق الفوضى والدمار في المنطقة، للحيلولة دون تثبيت أركان الإستقرار. فالتقسيمات الجديدة لنظام يالطا في عام 1945، في أعقاب الحربين العالميتين، خلقت أرضية مناسبة للغرب من أجل التدخل الدائم في المنطقة.
فالغرب الذي قسّم كُردستان، هو نفسه الذي استعمل ورقة القضية الكُردية في الدول التي أخذت نصيباً مفروضاً من كُردستان، وفق تركة (سايكس بيكو) بداية القرن العشرين.
والتقسيم الخطير والموقوت، لجغرافية الدولة العثمانية، صنع دولاً متجاورة في العداء، بعضها صغيرٌ إلى حدٍ لا يقدر الدفاع عن نفسه إلا بإمداد خارجي، مثل الكويت، أو دول الخليج. وهذا خطر عظيم على بنية هذه الدول، وإستراتيجياتها المستقبلية!
وإنتاج النفط بكميات كبيرة، خلق أزمات بنيوية خطيرة على مستويات شتى، داخل المجتمعات التي تصنّفت في دول حديثة التكوين، وضعيفة المكنون! فعائدات النفط، كرّست بيروقراطية مثبطة وخانقة، داخل الهرم الإجتماعي والسلطوي. إيران في زمن الشاه ـ على سبيل المثال ـ كانت تملك مليون وستمائة ألف موظف في الدولة، بينما كانت الحاجة الحقيقية لا تتعدى أكثر من 200 ألف موظف!
وكان إنتاج إيران اليومي ستة ملايين برميل نفط يومياً، مقابل 22 مليار دولار سنوياً. ويبلغ إنتاج السعودية لوحدها في الوقت الحاضر، أكثر من عشرة ملايين برميل يومياً. فيما يبلغ إنتاج دول الخليج ومن ضمنها العراق، أكثر من عشرين مليون برميل يومياً.
هذه الحال مستمرة منذ زمن طويل. ولو أخذنا في الحسبان العقود الطويلة من إنتاج النفط، كان من المفروض أن تكون هذه الدول من أكثر بلدان الأرض تقدماً وإزدهاراً.
وبما أن النفط لن يبقى إلى الأبد، وهو في طريقه إلى الزوال، في غضون نصف قرن أو أكثر حسب المناطق و قدر الإستخراج، فإنّ المدّة المقدّرة لبقاء النفط، علمياً، تتراوح بين عشرة أعوام إلى أربعين عاماً وإلى مائة عام، بإختلاف الأماكن وكمية الإستخراج.
أي أن السير الحالي للنفط، مضاد للمصالح العامة للبلاد المنتجة للنفط، وبالطبع مضرٌ بمصلحة الجيل القادم والذي يليه.
فإنتاج النفط، يفترض أن يوظف في بناء المشاريع التنموية، وتشغيل الأيدي العاملة، وبناء المصانع والمعامل المنتجة، ولتطوير البحوث والعلوم، وإيجاد الطاقة البديلة، للحيلولة دون ملاقاة المصير الخاوي المحتوم الذي ينتظر الجيل القادم. وبما أن النفط لن يدوم، فمن الواجب التفكير في مستقبل هذه البلاد ومواردها المعيشية للأجيال القادمة!
لكن الذي يجري هو عكس ذلك تماماً!
والشعب العراقي اليوم، هو الخاسر الأكبر في نفطه الذي يُنهب بكميات هائلة، فيما تعود الثروة إلى جيوب أشخاص وعوائل، ثم ترسل هذه الأموال إلى بنوك خارجية. ولتسوية الخلافات العالقة بين حكومة إقليم كُردستان، وحكومة المركز في بغداد، قامت شركات أجنبية، المساندة لقوى التحالف، بل والمملوكة من قبل هذه الأطراف السياسية والعسكرية التي تحتل العراق، بتوفير مستلزمات ضخ نفط كُردستان إلى الأنبوب الذي يمرّ عبر الأراضي التركية، بمباركة الحكومتين التركية والعراقية!
والمغزى أن المسيطرين على هذه الحكومات الإقليمية في المنطقة، لديهم مصالح فردية كبيرة مع الشركات الأجنبية المرتبطة بدوائر القرار الغربي، لذلك فإن تسويات ضرورية وغريبة تحدث بين هذه الحكومات، التي توهمنا أنها تعادي بعضها البعض، لأسباب قومية أو دينية!
وهي ـ حكوماتنا الشرقية ـ تهيّج وتلهي في آن، شعوب المنطقة بأوهام الصراع القومي والديني، فيما الأمر وراء الستار بين أصحاب السلطة والقرار ليس على هذا النحو!
فمثلاً تعلن تركيا بإستمرار، أنها ترفض الإعتراف بحكومة إقليم كُردستان. لكن في الواقع فإنها تبني شبكات علاقات متينة مع الإقليم، مناقضةً بنفسها السياسات العلنية تجاه الأكراد عوماً. والعلّة في ذلك أن السياسات المبنية لدى الحكومات التركية المتعاقبة، ليست وليدة أو نابعة من ثنايا مصلحة الشعب التركي وضروراته. والأمر نفسه بالنسبة للعراق وسوريا.
أما إقليم كُردستان فقد حصلت السلطة التابعة لبارزاني ـ طالباني على الإستقلال السياسي والإقتصادي من سلطة المركز، لدعم مراكز القوى، المجيّرة لصالح الشركات الأجنبية، التي تُعتبر القوات العسكرية والسياسية الغربية واجهاتها الأمامية!
فمن حصة 17% من عائدات النفط العراقي، المخصصة لإقليم كُردستان، لم يزد منها أي نسبة، بإعتبار أن النفط يُستخرج من الأراضي التابعة للإقليم. والسرّ في ذلك يكمن في التسوية بين حكومة المركز والإقليم برعاية الشركات الأجنبية، لضمان تدفق النفط دون مشاكل إلى الغرب، عبر صفقات مشابهة مع الحكومة التركية.
وفي كلّ الأحوال فإن الشعب الكُردي لم يستفد حتى الآن من عائدات النفط، وهي تدخل جيوب ثلّة قليلة أمام أعينهم، تنعم بالخيرات الكثيرة. وترسل الثلّة المذكورة، حسب سنّة حكام العرب البتروليين، عائدات النفط إلى بنوك خارجية، فيما يتضور الأكراد جوعاً وهلاكا!!
وبالرغم من بناء حكومة العراق في عهد صدام حسين شركات ومعامل إنتاجية في إقليم كُردستان، مثل معمل النسيج، معمل السجاد اليدوي، معامل الحديد والألمنيوم، معامل الخشب، معامل إنتاج الألبان، سد بيخمه ومشاريع أخرى صناعية وزراعية، إلّا أن بارزاني وطالباني وأتباعهما، قاموا منذ عام 1991 بتفكيك هذه المعامل والمشاريع، وباعوها كلّها إلى تركيا وإيران، بأثمان أقلّ من تكلفتها. ووزعت عائداتها على الزعماء والمسئولين الذين تحولوا بفضل ذلك إلى أصحاب رأسمال كبير على المستوى الفردي. وتزامناً مع ذلك، تعطّل الآلاف من فقراء الشعب الكُردي عن العمل، نظراً لإختفاء هذه المعامل والمشاريع من الوجود!
هذا في وقت يعاني الشعب اليوم، التخلف، وتراجع المستوى العلمي، وإرتفاع البطالة، وإنتشار الجرائم، وتدهور المستوى الصحي، وازدياد عدد اللاجئين، انتشار الفقر والأوبئة الفتّاكة...الخ!
والنفط الذي يُستخرج اليوم بسعرٍ زهيد، هو في الأساس إنتاج يعود ريعه الأكبر إلى الغرب، ويستفيد أصحاب السلطة المذكورة من هذا النفط لبناء الثروة الشخصية، دون مبالاة بمصلحة الشعب ومستقبله!
لذلك فهم بمثابة حرّاس منتدبين، للحفاظ على سير الأنابيب التي تقسم الثروة إلى جزء كبير، يعود لتلك الشركات الأجنبية، وجزء آخر لأفراد مُستحكِمين بأمور الدولة والسلطة في بلادنا. لكن هذا الجزء يودع لهم (لهؤلاء الأفراد) في بنوك الغرب، للحفاظ عليه، تحسباً للتغيّرات المحتملة في الشرق وغير المضمونة في العواقب. لذلك فحتى هذا الجزء يُعتبر ملكاً للشركات الأجنبية!
وإلّا هل من المعقول، أن يكون سعر برميل النفط الخام حوالي سبعين دولاراً، بعد التكرير والشحن والرسومات، بينما النفط الأبيض، الذي يستعمله الشعب العراقي للتدفئة (وهو مشتقٌ واحد ضمن 20 مادة يحتويها النفط الخام)، ولا يساوي دولاراً واحداً في الأسواق العالمية، ويشتريه الكُرد والعرب في عز الشتاء، بأسعار تبلغ 190 إلى 250 دولاراً للبرميل الواحد؟!
والآتي، للجيل القادم، أعظمُ إن لم يستيقظ!