الفكر الوطني الكوردستاني (1 - 16)

Wednesday, 09.25.2019, 18:20

328 بینراوە


في البداية من الضروري التحدث عن نبذة مختصرة عن التاريخ الحديث لتقسيم منطقة الشرق الأوسط بشكلٍ عام وكوردستان بشكلٍ خاص بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى وعن واقع كوردستان في الوقت الحاضر، قبل الحديث عن الفكر الوطني الكوردستاني الذي ينبثق من الواقع الكوردستاني.

حسب إتفاقية سايكس - پيكو، تم تقسيم الجزء الذي كان تابعاً للإمبراطورية العثمانية من كوردستان، بين الكيانات السياسية التي ظهرت في المنطقة وهي العراق وسوريا وتركيا و بذلك أصبحت كوردستان مقسمة الى أربع أقسام وكل قسم يتبع هذه الدول الثلاث، إضافة لإيران.

حسب إتفاقية سايكس - پيكو، تم تأسيس الكيان السياسي العراقي من ثلاث ولايات عثمانية، وهي ولاية بغداد و ولاية شارزور ( الموصل لاحقاً) وولاية البصرة. لقد تمّ إقتطاع أجزاء من ولاية (شارَزور) وضمها الى تركيا وسوريا، اللتَين ظهرتا ككيانَين سياسيين جديدَين في المنطقة، حيث أنّ ولاية (شارَزور) كانت تشمل آمد (دياربكر) و(وان) في الشمال وتحدّها ايران من الشرق و(دير الزور) من الغرب وولاية بغداد من الجنوب، أي أن ولاية (شارَزور) كانت تشمل كوردستان بأكملها ما عدا إقليم شرق كوردستان الحالي الذي بقي تحت الإحتلال الفارسي حسب معاهدة أرض روم التي أُبرمت بين الإمبراطورية العثمانية والصفوية في عام 1639.

أما ولاية البصرة العثمانية، فكانت تشمل جنوب العراق والكويت ونجد وقطر والإحساء والقطيف وديزفول، حيث تمّ ضم نجد والإحساء والقطيف للمملكة العربية السعودية وديزفول تمّ ضمها من قِبل إيران. من الجدير بالذكر أنّ منطقة الإحساء والقُطيف هي منطقتان شيعيتان غنيتان بالبترول. كما أنه تم تأسيس إمارات جديدة على أنقاض ولاية البصرة مثل إمارة الكويت وقطر.

هكذا، تبعاً لإتفاقية سايكس – پيكو الإستعمارية، تمّ تقسيم منطقة الشرق الأوسط بشكل قسري وظالم. على ضوء هذه الإتفاقية، تم تأسيس دول على أنقاض الإمبراطورية العثمانية ورُسمت حدودها دون الرجوع الى إرادة شعوب منطقة الشرق الأوسط ودون الأخذ بنظر الإعتبار خصائص شعوب المنطقة وتخلفها والإختلافات الإثنية والثقافية والتأريخية العميقة بين هذه الشعوب، بل فكرت بريطانيا وفرنسا بمصالحهما فقط. هكذا تم رسم حدود الدول المستحدثة والتي تمّ بها تمزيق أوطان الكورد والعرب السُنّة والشيعة وحتى أن هذه الحدود المصطنعة شتّتت العائلة الواحدة والقبيلة الواحدة ووزعتها بين عدة دول وحشرت شعوباً تعيش في مرحلة البداوة و القبلية وتشهد تخلفاً فكرياً وثقافياً وإجتماعياً وإقتصادياً، في كيانات جديدة في المنطقة، بالرغم من كونها شعوب متنافرة و متباعدة في لغاتها و ثقافاتها وتأريخها وأهدافها ومصالحها، وبذلك لم تهتم بريطانيا وفرنسا بمستقبل هذه الشعوب والمشاكل والخلافات والنزاعات والحروب المدمرة التي ستنتظرها نتيجة هذا الحشر القسري.

إبرام إتفاقية سايكس - پيكو كان جريمة كبرى بحق شعوب منطقة الشرق الأوسط وبِحق البشرية جمعاء. إجبار شعوب متخلفة ومتنافرة على العيش معاً في كيانات سياسية مشتركة دون أن تربطهم لغة وثقافة ومصالح وأهداف مشتركة وتأريخ مشترك، كان يحمل في طياته بذور المشاكل والتناحر والمآسي والحروب وبالتالي غياب أي أمل في تحسين حياة هذه الشعوب ومواكبتها للتقدم والتطور العالمي والمساهمة في بناء الحضارة الإنسانية.

منذ رسم الحدود المصطنعة للمنطقة حسب إتفاقية سايكس – پيكو، لم تستقر الأوضاع في هذه الدول المصطنعة والذي كان سبباً في إزهاق حياة الملايين من سكان المنطقة الأبرياء و سبباً في تخلفهم وفقرهم بالرغم من توفر كل مقومات التقدم والرفاهية في هذه البلدان من بترول ومعادن ومياه وزراعة وركائز سياحية وثروة بشرية، الا أنّ حكومات دول المنطقة المتعاقبة لم تستفد من هذه الإمكانيات الكبيرة وقامت عوضاً عنها بإهدار ثروات البلاد وزج شعوبها في حروب أهلية وخارجية كارثية. كانت تتوفر فرصة جيدة لِحُكّام المنطقة لخلق شعور وطني ومصالح وأهداف مشتركة لشعوبها المتنافرة والتي كانت ستؤدي الى تكوين شعوب متجانسة، تعيش في وئام وسلام ورفاهية، إلا أنّ الحكام هم جزء من المجتمعات المتخلفة، لذلك عملوا على تعميق التناقضات والخلافات والإختلافات بين شعوب وقوميات وأديان ومذاهب المنطقة.

فُرضت هذه الوحدة القسرية على شعوب وقوميات المنطقة بالقوة والعنف والإكراه والإرهاب وبذلك سبّبت هذه الوحدة القسرية حروباً ومعارك مستمرة بين هذه الشعوب والقوميات والتي لا تزال مستمرة الى الوقت الحاضر وخلّفت وراءها الملايين من الضحايا الأبرياء وحولت بلدانها الى خراب ودمار وقادت الى الفقر والجهل والمرض والتخلف رغم الحضارة العريقة لِبلدان المنطقة ورغم خيراتها ومياهها وبترولها وثرواتها البشرية.

يجب أن يكون الإنسان ورُقيّه وحريته ورفاهيته هي الهدف الذي تناضل المجتمعات البشرية من أجله، حيث أنّ الحدود الدولية المصطنعة ليست "مقدسة" ولا تتطلب التضحية من أجلها، بل يجب إحترام إرادات الشعوب ورغباتها. القوة والإكراه عاجزتان عن فرض الوحدة على الشعوب بالضد من إراداتها، وإنْ نجحتا في ذلك، فأنهما تخلقان وحدة هشة تنهار وتختفي عندما تزول أو تضعف مصادر تلك القوة والإكراه، كما هو الحال في الوقت الحاضر في كثير من دول المنطقة.



(دەنگدراوە: 0)