هل ستنتصر ثورة تشرین في العراق؟

Sunday, 12.29.2019, 17:43

4149 بینراوە


منذ الأزل كان العراق مركز العالم ومهداً للحضارات وكان محطاً لأنظار المتربصین من حاسدین و طامعین. فكان شعب العراق شعباً مستهدفاً بحضارته وموارده وقیمه من قبل العدید من الغزاة، والعراق أكثر بلد بالعالم تم احتلاله عبر التأریخ، ولكنه أكثر بلد تحرر من الغزاة ایضاً مما اعطى العراقیین صفة اسود الرافدین. الا وانه ومنذ آخر احتلال عام 2003 من قبل مغول العصر، كٌسرت نفسیة العراقیین وأصبحوا شتاتا بعد أن كانوا عنوانا، أصبحوا مقسمین وتابعین بعد أن كانوا أسیادا على أنفسهم وعلى من حولهم. وعام بعد عام منذ ذلك التأریخ، تشتت شعب العراق مشردین ولاجئین في أكثر من 65 دولة یتحسرون على تاریخ العراق المجید، یائسین من توحدهم بعد أن قسمتهم الأحزاب الطائفیة والتبعیة ویائسین من رجوع أیام افتخارهم بجنسیتهم. وفي آخر سنتین، وخاصة منذ الإنتخابات الأخیر وما حصل فیها من تزویر لإرادة الشعب، وصل الحد بالشعب العراقي بالیأس من نفسه فاستسلم وبقى ینتظر المنقذ، القائد الضرورة الذي قد یبعثه رب السماء رحمة بهذا الشعب ورأفة بحاله.
وفجأة، وبدون سابق انذار، انتفضت ثلة من الشباب الذین ولدوا وتربوا في ظل فترة الاحتلال وما ترتب علیها من عملیة سیاسیة ومحاصصة وحرب طائفیة خلال الحكومات المتعاقبة. هذا الجیل الذي كان من المستبعد جدا أن یحمل شعار الوطنیة و رایة العراق الواحد، لما مورس علیه من أشنع عملیات غسل الأدمغة الممنهجة. شارك في هذه العملیة رجال الدین وساسة الطائفیة المقیتة وساسة التبعیة للخارج والمرتزقة من الإعلامیین بكل ما أوتوا من قوة الإعلام والسلاح والمال السحت الحرام المنهوب، من أجل ترویض هذا الشعب وترویض هذا الجیل لا وبل من أجل طمس الشخصیة العراقیة وقتل روح المقاتل الجسور لدى الفرد العراقي والقضاء على ما تبقى من شعب العراق المرابط على أرضه.

إن حراك هؤلاء الفتیة الأبطال، ثوار ثورة تشرین المجیدة، أصبح شمعة النور التي أنارت طریق الشعب بعد سنین من الظلام وأعطى بصیص الأمل الذي كان یحلم به شعب العراق منذ 17 عاما. أصبح هؤلاء الفتیة الصغار هم قادة العراق الجدد لا بل هم من علموا الأجیال التي سبقتهم معاني التضحیة والفداء والنخوة والرجولة وقیم الفرسان. ومع أول صیحة من صیحات هؤلاء الفتیة الأبطال في ساحة التحریر في بغداد، سقطت جمیع الأقنعة، وبسرعة البرق أصبح جلیا أن العراق الآن فسطاطین لا ثالث لهما، اما ان تكون عراقي الروح والجسد والجنسیة وأما ان تكون خائن وعمیل ومن تیار التبعیة. حیث خلع العراقیین كل ملابسهم التي حاولوا توسیخها بقاذورات أفكارهم كل من حكم العراق بطریقة مباشرة أو غیر مباشرة، ولبسوا رداء الوطنیة الناصع الذي أصبح نوره یلهم الأخ والصدیق ویعمي بنوره اعداء هذا الشعب من الظلامیین.

وعلى الرغم من كل ما حدث وما قد تؤول إلیه الأمور في المستقبل من الناحیة السیاسیة، وسواء قام الثوار بتغییر جذري وفرضوا إرادتهم ونجحوا بتنصیب من یمثلهم في إدارة دفة الدولة أم لم یتمكنوا من ذلك، فإن ذلك لیس هو مقیاس نجاح الثورة، فهذه الثورة هي ثورة فكریة قبل أن تكون ثورة سیاسیة. أستطیع أن أجزم وبكل فخر، أن ثورة تشرین انتصرت، نعم، انتصرت. فثورتنا هي فكرة والفكرة لا تموت. نجحت هذه الثورة بتحدید من هو الشعب الحقیقي ومن هم التبعیة. نجحت الثورة بتوحید الشعب لأول مرة ونسف ما حاول ترسیخه الدجالین منذ 17 سنة من تفرقة طائفیة بغیضة. نجحت الثورة في إظهار الوجه الحضاري الحقیقي للشعب العراقي وأظهرت للعالم جمیع إبداعاته وفي كل المجالات وبإمكانیات ذاتیة. نجحت الثورة في استعادة الشعب لعزة نفسه التي كسرت لمدة طویلة، إستعاد الشعب كبریاءه وشموخه المعهود عنه منذ الآف السنین، عاد الشعب لجذوره الحقیقیة وانتزع لقب أسود الرافدین مرة اخرى وبجدارة. الآن تستطیع أم كلثوم أن تنام قریرة العین وترقد بسلام في قبرها وهي تدرك أن الأسود قد عادت إلى بغداد قلعة الأسود. أن شعب كشعب العراق العظیم، یمكن له أن یمرض لكنه لن یموت، لأنه شعب حي بكل ما تعنیه الكلمة من معنى، ومن یقرأ التاریخ یعي ذلك جیدا، فالعراق كان وما یزال جمجمة العرب ورمح اﷲ في الأرض وحاشى لرمح ﷲ أن ینكسر.
چەند بابەتێکی پێشتری نووسەر